الصفحة الماضية

السؤال  11  الى  20

الصفحة الآتیة

 

السؤال الحادي عشر

ما هي الشفاعة التي تعتقدون بها ؟

الجواب :

الشفاعة من الاُصول الإسلامية المسلّمة ، والتي تلقّتها جميع الفرق الإسلامية بالقبول; تبعاً للوارد في الآيات الكريمة والروايات الشريفة . نعم اختلفوا في آثارها .

وحقيقة الشفاعة أن يطلب الإنسان الوجيه عند الله المغفرةَ للمذنب من الباري سبحانه ، أو يطلب منه علوّ الدرجات لشخص آخر . قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) :

«اُعطيت خمساً... واُعطيتُ الشفاعةَ فادّخرتُها لاُمَّتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً»([1]) .

تقييد الشفاعة

الذي يرى الشفاعة من اُفق القرآن يجد أنّها بمعناها المطلق ومن دون أي قيد مردودةٌ ، و أنّ الشفاعة المؤثرة هي ما كانت بالصفة التالية :

1ـ  أن يكون الشفيع مأذوناً في الشفاعة من الله سبحانه ، فلا يجدي القرب لوحده ، وإنما يجب أن يكون مأذوناً في الشفاعة أيضاً ، قال تعالى :

) يَوْمَئِذ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ رَضِيَ لَهُ
قَوْلاً (([2]) .

2ـ  أن يكون للمشفوع له استعداد لقبول الفيض الإلهيّ الوارد عليه بواسطة الشفيع ; بمعنى أن لا ينقطع ارتباطه الإيماني بالباري سبحانه ، بل يبقى محفوظاً . وعليه فلا شفاعة للكافر ، ولا لبعض المسلمين كتارك الصلاة وقاتل النفس المحترمة ظلماً ; وذلك أنّ هؤلاء قطعوا صِلتهم الروحية بالباري سبحانه ، قال سبحانه في حقّ تاركي الصلاة والمنكرين ليوم الدين :

) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ (([3]) .

وقال في حق الظالمين :

)ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَ لا شَفِيع يُطاعُ (([4]) .

فلسفة الشفاعة

الشفاعة كالتوبة ، نافذة يدخل منها شعاع الأمل لقلوب المذنبين الذين أحسّوا باشتباههم أثناء السير والسلوك إلى الله ، حيث تكون داعياً لترك المعاصي ; حيث أنّهم يعلمون أنّ الشفاعة باب مفتوح أمامهم ضمن شرائط خاصّة ، لا مطلقاً ، فيمكنهم ولوج هذا الباب والنجاة من العذاب إذا ما راعوا تلك الشرائط ، فيحاولون أن لا يتجاوزوا تلك الحدود لئلاّ تفوتهم الشفاعة .

أثر الشفاعة

اختلف المفسرون في أثر الشفاعة ; وهل أنّها تفيد غفران الذنوب ، أم رفع الدرجات؟ الذي يتراءى لنا من خلال قول النبي(صلى الله عليه وآله) هو الرأي الأول لقوله (صلى الله عليه وآله):

 

«إنّ شفاعتي يوم القيامة لأهل الكبائر من اُمّتي»([5]) .


 

السؤال الثاني عشر

هل طلب الشفاعة من الشفعاء شركٌ بالله ؟

توضيحه : قد يقال : إنّ الشفاعة من شؤون الباري جلّ وعلا المخصوصة به ، لقوله عزّ اسمه :

) قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا (([6]) .

وعليه فالشفاعة طلبٌ لما هو مخصوص بالباري من غيره سبحانه وهم عبيده ، والطلب الذي يتّسم بهذه السمة نوع عبادة لغير الله ، وهو ينافي التوحيد في العبادة لله سبحانه وتعالى .

الجواب :

المقصود من الشرك هنا ليس هو الشرك في الذات ، ولا الشرك في الخلق ، ولا الشرك في التدبير ، وإنما المقصود هو الشرك في العبادة . وعليه فبيان الجواب يعتمد على تفسير وفهم معنى العبادة بالدقّة .

ثم إنّ تفسير العبادة لا يرجع إلينا ، كي نعتبر الخضوع لكلّ مخلوق أو الطلب منه عبادة .

هذا ، والقرآن الكريم يصرّح بأنّ الملائكة سجدت لآدم ، قال تعالى :

) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (29 (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (([7]) .

فسجود الملائكة لآدم(عليه السلام) بأمر الله سبحانه ، ليس عبادة له ; وإلاّ لما أمر الباري سبحانه به .

كما سجد يعقوب (عليه السلام) و أولاده ليوسف (عليه السلام) ، على ما أفصح به الذكر الحكيم حيث قال :

) وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا (([8]) .

فإذا كان هذا الخضوع عبادة ليوسف(عليه السلام) لما فعله النبيّ يعقوب(عليه السلام) ، والذي يتحلّى بالعصمة ! بل لو كان هذا الخضوع عبادة ليوسف لما ارتضاه من أولاده أيضاً . كلّ ذلك مع أنّنا لا نجد خضوعاً أشدّ من السجود .

فعلى هذا يجب التفريق بين مفهوم الخضوع والطلب من الآخرين وبين مفهوم العبادة ، فحقيقة العبادة أن يعتقد الإنسان الالوهية لمخلوق معيّن ، ويعبده ، أو أن يعتقد أنّ الأفعال الإلهية ـ كتدبير العالم وغفران الذنوب ـ مفوّضة لمخلوق معيّن . و أما إذا كان الخضوع للمخلوق من دون أن نعتقد فيه الالوهية ، ومن دون أن نعتقد تفويض الشؤون الإلهيّة إليه ، فليس هذا عبادة ، بل هو مجرّد احترام له ; نظير احترام الملائكة لآدم ، واحترام يعقوب ليوسف(عليهما السلام) .

وفي مقام الجواب عن السؤال نقول : إذا اعتقدنا أنّ الشفاعة مفوّضة للشفعاء ، و أنّهم يشفعون لمن يريدون من دون أي قيد أو شرط ، وهم السبب في مغفرة ذنوبهم ، فهذا شرك ; لأنّنا طلبنا ما هو لله من غيره . و أمّا إذا اعتقدنا أنّ بعض عباد الله الصالحين مجازون بالشفاعة للمذنبين ضمن اطار وحدود معينة والتي من أهمها رضا الله سبحانه ، فهذا لا يلازم الاعتقاد باُلوهية هذا الشافع الصالح كما هو واضح ، كما لا يلازم تفويض شأن الهي إليه ، بل هو طلب ممن هو أهل لذلك .

ولهذا نجد أنّ المذنبين على عهد الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) كانوا يأتون إليه لطلب المغفرة ، ومع ذلك لم ينسبهم النبيّ (صلى الله عليه وآله) للشرك ، ففي سنن ابن ماجة :

«أتدرون ما خيرني ربي الليلة ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم . قال : فإنّه خيّرني بين أن يدخل نصف اُمتي الجنّة ، وبين الشفاعة ، فاخترت الشفاعة . قلنا : يا رسول الله ! ادع الله أن يجعلنا من أهلها . قال : هي لكل مسلم»([9]) .

فالحديث صريح في طلب الصحابة المغفرة من الرسول(صلى الله عليه وآله) بقولهم : «ادع الله» . كما أنّ الكتاب العزيز يصدع بقوله :

) وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْـتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُـولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّابًا رَحِيمًا ( ([10]) .

وقال في مقام آخر :

) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ (([11]) .

وقد أجابهم نبيّ الله يعقوب إلى ذلك ووعدهم أن يستغفر لهم بقوله :

) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (([12]) .


 

السؤال الثالث عشر

هل الاستعانة بغير الله شرك ؟

الجواب :

جميع الناس وجميع الأشياء ـ في النظرة الاسلامية وبنظر العقل ـ محتاجة إلى الله في تأثيرها كحاجته إليه عند بدء الخلقة ، يقول الباري في محكم كتابه :

)يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللّهِ وَ اللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (([13]) .

وقال في موضع آخر :

)وَ مَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (([14]) .

وعلى هذا الأساس نكرر الآية التالية في كلّ صلاة :

)إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ (([15]) .

ولإيضاح الجواب عن السؤال المذكور نقول : الاستعانة بغير الله لها صورتان :

1ـ  أن نستعين بغير الله مع اعتقاد أنّه مستقلّ عن الباري في أفعاله وغنيّ عنه في إعانته . فهذا الشكل من الاستعانة لا ريب في أنّه شرك بالله سبحانه ، والقرآن الكريم يصف هذا النوع من التصور بفقدانه للأساس وبعده عن الصواب ، حيث يقول :

) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ
بِكُمْ رَحْمَةً وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيرًا (([16]) .

2ـ  أن نستعين بغير الله مع اعتقاد أنّه لا استقلال له عن الحقّ جلّ وعلا ، وإنّما هو محتاج إليه في أفعاله وتأثيراته ، بل إنّ تأثيره في الأشياء إنما هو من جانب الله سبحانه أيضاً ، وقد جعل الله له هذه القدرة والتأثير رفعاً لحاجة العباد .

وعلى أساس هذه النظرة تكون استعانتنا بهذا المخلوق استعانة به بما هو واسطة جعلها الله وسيلة لقضاء حوائج الآخرين . وهذه الاستعانة في حقيقتها استعانة بالله سبحانه ; فهو الذي أفاض عليه الوجود ، و أفاض عليه قدرة التأثير لتأمين حوائج الآخرين ، وذلك أنّ حياة البشر في النشأة الدنيا مبنية على أساس الاستعانة بالأسباب والمسببات ، بحيث لو لم يستعينوا بها اختلّ نظام الحياة .

فإذا نظرنا إليها بما هي عوامل و أسباب لتأثير الباري في الموجودات ، و أنها محتاجة في تأثيرها إلى الباري كحاجتها إليه في أصل وجودها . فهذه الاستعانة لا تنافي التوحيد أبداً .

فالفلاح الموحّد إذا استعان في زراعته بأسباب وعوامل طبيعية نظير التربة والماء والهواء والشمس لنموّ البذور حتى يجني منها محاصيله ، هو في الحقيقة مستعين بالله سبحانه; لأنّه هو المعطي لها هذا الاستعداد والقابلية لإنماء الزرع . وهذه الاستعانة تنسجم تماماً مع التوحيد ولا تنافيه بالمرّة ، بل إنّ القرآن الكريم يوصينا بالاستمداد ببعض الاُمور; كالصبر والصلاة ، في قوله عزّ من قائل :

) وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ (([17]) .

ومن الواضح أنّ الصبر والصلاة من أفعال البشر ، ونحن مأمورون بالاستعانة بهما . في الوقت الذي نجد الآية حصرت الاستعانة به سبحانه في قوله تعالى :

) إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ (([18]) .

ولا تنافي بينهما أصلاً .


 

السؤال الرابع عشر

هل دعاء ونداء الآخرين من الشرك بالله ؟

الذي أثار هذا التساؤل هو ظاهر بعض الآيات والروايات الناهية عن ذلك ، كقوله تعالى :

)وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَدًا (([19]) .

وقوله تعالى :

)وَ لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَ لا يَضُرُّكَ (([20]) .

حيث تمسكت طائفة من الناس بظاهر هذه الآيات وقالوا : إنّ نداء أولياء الله والصالحين ـ بعد رحيلهم عن هذه الدنيا ـ عبادة لهم وشرك بالله العظيم .

الجواب :

لإيضاح الجواب عن السؤال المذكور ينبغي بيان معنى اللفظتين : «الدعاء» و «العبادة» ، فنقول : لا شكّ أنّ لفظ «الدعاء» في اللغة العربية بمعنى النداء والدعوة . ولفظ «العبادة» بمعنى الخضوع الخاص مقابل الإله . ومن هنا فلا يمكن عدّهما مترادفين وبمعنى واحد ; أي لا يمكن القول بأن كلّ نداء ودعاء عبادةٌ ; لأنّه :

1ـ  استعملت مادة «دعو» في القرآن الكريم في موارد لا يمكن القول بأن المراد منها هو العبادة ، نظير :

)قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهارًا (([21]) .

فهل يا ترى يمكن القول بأن مراد نبيّ الله نوح (عليه السلام) أنّه كان يعبد قومه ليلاً ونهاراً!!

وعليه فلا يمكن القول بأن «الدعاء» و «العبادة» مترادفان ، فإذا نادى شخص أحداً من الأولياء والصالحين فقد عبده ; وذلك أنّ النداء أعمّ من العبادة .

2ـ  المراد من الدعاء في مجموع هذه الآيات ليس هو مطلق النداء ، بل هو الدعوة الخاصة التي يمكن ان تلازم العبادة ; وذلك أنّ جميع هذه الآيات واردة في شأن عبدة الأوثان الذين يعتقدون أنّ الأوثان آلهة صغار . ولا ريب أنّ دعاء واستغاثة هؤلاء بآلهتهم التي يعتقدون أنها المالكة للشفاعة والمغفرة و… وانها المتصرّف المستقلّ في اُمور الدنيا والآخرة . ومن الواضح أنّه في مثل هذه الظروف والشرائط يكون طلب ودعاء هؤلاء لهذه الموجودات عبادة .

ومن أوضح الشواهد على أنّ دعوة هؤلاء كانت مقرونة بعقيدة الاُلوهية هو هذه الآية الشريفة :

)فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ شَيْء(([22]) .

وعلى هذا فالآيات المبحوث عنها لا ربط لها بالبحث ، فمحلّ البحث هو طلب عبد من آخر لا يعتقد الوهيته ولا يرى أنّه المالك والمتصرف المختار في شؤون الدنيا والآخرة ، وإنما يرى أنّه عبد عزيز ومحترم من عبيد الله سبحانه ، اجتباه الله رسولاً أو نبياً ، ووعده قبول دعائه في حق العبيد بقوله :

)وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَـهُمْ جاؤُوكَ فَاسْـتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْـتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُـولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّابًا رَحِيمًا (([23]) .

3 ـ  الآيات المذكورة دليل واضح على أنّ المراد من الدعوة ليس هو مطلق طلب الحوائج ، وإنما الدعوة للعبادة ، وذلك للتعبير في نفس الآية بعد ذلك بلفظ العبادة ، فالآية هي :

) وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (([24]) .

ففي أول الآية ورد لفظ «ادْعُونِي» وفي آخرها لفظ «عِبادَتِي» ، وهذا دليل على أنّ المراد من الطلب أو الاستغاثة انما هو بالموجودات الاُخرى التي يعتقد أنها بالصفات الإلهية .

النتيجة :

نستنتج من المقدمات الثلاث المذكورة أنّ الهدف الرئيسي للقرآن من هذه الآيات هو النهي عن دعوة عَبَدة الأوثان الذين يرون أنّ الأوثان شريكة للباري سبحانه و أنها المدبّرة والشفيعة ، فكل خضوع وتذلل واستعانة واستغاثة واستشفاع بهذه كان من خلال النظر إليها كآلهة صغار هي المتولية لشؤون الإله في الدنيا والآخرة ، و أنّ الباري فوّض إليها شؤون الخلق . وليست لهذه الآيات علاقة بالتوسّل والاستغاثة بالأرواح الطاهرة والنفوس الزكية للأولياء الذين هم في نظر الداعي عبيد لله سبحانه وتعالى ولا يسمو مقامهم عن حد العبودية شيئاً أصلاً ، وإنما هم عباد محبوبون لله جلّ وعلا . وإذا قالت الآية الكريمة :

) وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَدًا (([25]) .

فالمراد هو دعوة عرب الجاهلية لمعبوداتهم من الأصنام أو الأجرام السماوية أو الملائكة أو الجنّ . فهذه الآية ونظائرها ناظرة لدعوة الشخص أو الشيء المقرونة باعتقاد الالوهية ، ولا ريب أنّ دعاء هذه المخلوقات مع هذه العقيدة يعدّ عبادة لها ، لكن ما هي علاقة هذه الآيات بالدعاء والطلب من شخص مع عدم اعتقاد ربوبيته ؟ !

لكن يمكن أن يتصوّر أنّ الاستغاثة بالأولياء والصالحين جائز في زمان حياتهم فحسب ، و أمّا بعد مماتهم فهو غير جائز ، وشرك بالله العظيم .

وللجواب عن هذا التصور نقول :

1 ـ  نحن إنما نستعين بأرواح الصالحين من عباد الله كنبيّنا و أئمّتنا صلوات الله عليهم أجمعين ، الذين صرح القرآن الكريم بحياتهم ، و أنّهم يعيشون في مقام أسمى من مقام الشهداء في عالم البرزخ ، ولا نستعين بأبدانهم المودعة في لحود القبور ، وإن كنا نستعين بهم عند قبورهم ، فهو لأنّ هذه الحالة تقوّي حالة الارتباط بأرواحهم الطاهرة والتوجه إليها . مضافاً إلى أنّ مضاجعهم الطاهرة من مواضع استجابة الدعاء كما ورد في الروايات الشريفة .

2 ـ  لا يمكن جعل الحياة والممات معياراً للشرك والتوحيد ، مع أنّ كلامنا هنا عن المعيار في ذلك ، لا في مقام قبول هذه الأدعية والاستغاثات وعدمه . مع أننا بينّا هذه الجهة في محلّها أيضا .


 

السؤال الخامس عشر

ما هو البداء ولماذا تعتقدون به ؟

البداء لغة : هو الظهور والجلاء . وفي اصطلاح علماء الشيعة : تغيّر المسير الطبيعي لمصير الإنسان على أثر سلوكه وعمله الصالح .

والبداء من المسائل العقائديّة السامية في المذهب الشيعي ، وهي مستوحاة من العقل والنقل . فالإنسان في الرؤية القرآنية ليس محدوداً ومقيداً بمصير معين ، بل له الرجوع عن جادة الضلال وتغيير مصيره من الشقاء إلى السعادة ، وستكون أعماله الصالحة سبباً لتغيير مصيره . ومن هنا يبين القرآن الكريم هذه الحقيقة كأصل ثابت وشامل ، فيقول :

) إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ (([26]) .

وقال في موضع آخر :

) وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَ الاَْرْضِ (([27]) .

وقال في شأن النبيّ يونس(عليه السلام) وتغيير مصيره :

)فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ  يُبْعَثُونَ(([28]) .

والذي يبدو من الآية الأخيرة هو أنّ مقتضى الحال كان يوجب بقاء يونس في هذا السجن إلى يوم القيامة ، لكن عمله الصالح ـ وهو التسبيح ـ غيّر مصيره و أنجاه مما كان فيه .

كما أنّ الروايات الشريفة أيدت هذه الحقيقة ، حيث يقول نبينا(صلى الله عليه وآله) :

«إنّ الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولا يردّ القدرَ إلاّ الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلاّ البرّ»([29]) .

فيستفاد من هذه الرواية و أمثالها أنّ الإنسان يحرم من الرزق بسسبب المعاصي ، ولكنه بالعمل الصالح كالدعاء يمكنه تغيير المقدّر له ، وبالإحسان يزيد في عمره .

النتيجة :

المستفاد من آي الذكر الحكيم و السنّة الشريفة أنّ الإنسان ـ وفقاً لنظام الأسباب والمسببات ـ قد يكون محكوماً بمصير مظلم نتيجة لسوء أعماله ، بل قد يخبره أحد الأولياء أو الأنبياء (عليهم السلام) بسوء منقلبه وعاقبته ، ومعنى هذا الإخبار هو أنّ نتيجة هذا السلوك والتصرف إذا ما استمرّ هو هذه النتيجة المشؤومة . وأما إذا حصل تغيّر وتحوّل في سلوكه فإن مآله و مصيره سينقلب و يتغيّر .

فهذه الحقيقة النابعة من الوحي الإلهي والروايات الشريفة والعقل هي المسماة عند علماء الشيعة بـ «البداء» .

الجدير بالذكر أنّ اصطلاح «البداء» ليس من التعابير المختصة بالشيعة ، وإنما نجده في كتب أهل السنة أيضاً ، بل نجد أساسه في أحاديث نبينا الكريم (صلى الله عليه وآله) ، ونحن ننقل على سبيل المثال حديثاً واحداً استعمل فيه النبيّ(صلى الله عليه وآله) لفظ البداء ، وهو :

وفي حديث الأقرع والأبرص والأعمى «بدا للّهِ عزّوجلّ أن يبتليهم»([30]) .

نعم ، البداء لا يعني حصول التغيير في ساحة العلم الإلهي الأقدس ; لإن الباري عزّوجلّ عالم بسلوك الناس وسيرتهم الطبيعية ، وعالم بالعوامل المؤثرة في تغيير هذه المسيرة والحركة نحو اتجاه آخر التي هي السبب في حصول البداء ، وهذا ما صرح به الذكر الحكيم بقوله :

) يَمْحُو  اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (([31]) .

فعلى هذا الأساس يكون معنى البداء لله سبحانه هو أن تظهر لنا الحقيقة المخفيّة علينا والمعلومة له سبحانه من الأزل . ولهذا يقول إمامنا الصادق(عليه السلام) :

«ما بَدا لِلهِ في شيء إلاّ كان في عِلمِه قبلَ أن يَبدوَ لَهُ»([32]) .

فلسفة البداء :

لا شك ولا ريب أنّ الإنسان إذا علم أنّ بإمكانه تغيير مصيره فإنّه سيندفع نحو تحقيق مستقبل أفضل ، وسيتحرك إلى ذلك بحافز أقوى وجدّية أكثر . وبعبارة اُخرى وبيان آخر : كما أنّ التوبة والشفاعة لهما الأثر في إيجاد النشاط والحيوية في الحياة والحيلولة دون اليأس والقنوط ، فكذا البداء ; فإنّه باعث على الحيويّة والأمل في الحياة ، ويبعث على الثقة بمستقبل زاهر ; لأنّه يعلم أنّ القضاء الإلهي فسح له المجال لتغيير مستقبله ومصيره ومآله نحو الأفضل .


 

السؤال السادس عشر

هل تعتقد الشيعة بتحريف القرآن ؟

المشهور بين علماء الشيعة هو أنّ القرآن الكريم مصون عن التحريف ، وأنّه لم يتطرّق إليه التصحيف أصلاً ، وأنّ القرآن الموجود بأيدينا اليوم هو عين القرآن النازل على نبيّنا(صلى الله عليه وآله) من دون زيادة ونقصان ، ولأجل إيضاح ما قلناه نذكر بعض الأدلّة على ذلك :

1 ـ  إنّ الباري سبحانه وتعالى ضمن لنا حفظ كتابه العزيز ، حيث قال :

) إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (([33]) .

وبما أنّ الشيعة يعتبرون القرآن منهجاً فكرياً وعملياً لهم فهم يعظمون هذه الآية ويؤمنون بما تنادي به من حفظ وصيانة الكتاب العزيز .

2 ـ إن قائد الشيعة الأعظم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) الذي كان مرافقاً للنبي(صلى الله عليه وآله) دوماً ، وكان من كتّاب الوحي ، كان يوصي الناس ـ وفي مناسبات مختلفة ـ بالرجوع إلى القرآن ، وإليك بعض كلماته النيّرة :

«واعلَموا أنّ هذا القرآنَ هو الناصِحُ الذي لا يَغِشُّ ، والهادي الذي لا  يَضِلُّ ، والمُحدِّثُ الذي لا يَكذِبُ»([34]) .

وقال :

«وإنّ اللهَ سبحانَه لم يَعِظ أحَداً بمِثلِ هذا القُرآنِ ، فإنّه حبلُ اللهِ المتينُ ، وسَبَبُه الأمينُ»([35]) .

وقال :

«ثمّ أنزلَ عليهِ الكِتابَ نوراً لا تُطفأُ مصابيحُه ، وسِراجاً لا يَخبو تَوقُّدُه ، وبَحراً لا يُدرَكُ قَعرُه ، ومِنهاجاً لا يَضِلُّ نَهجُه ، وشُعاعاً لا يُظلمُ ضَوؤُهُ ، وفُرقاناً لا يَخمَدُ بُرهانُه»([36]) .

فكلام سيد الأوصياء يوضح أنّ القرآن مصباح هداية لمن استضاء به ، لا يطفأ نوره إلى الأبد ، فكلّ تغيّر يوجب إطفاء هذا النور ، أو يسبّب الضلالة ، فهو غير ممكن فيه .

اتفق علماء الشيعة على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله)قال :

«إنّي تاركٌ فيكُم الثَّقَلينِ ما إن تَمَسَّكتُم بهما لن تَضِلّوا ; كِتابَ اللهِ وعِترتي ، وإنّهما لَن يَفتَرِقا حتَّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ»([37]) .

وهذا الحديث من الأحاديث المتواترة بين المسلمين ، فرواه السنّة والشيعة . ومنه يعلم بوضوح أنّ القرآن الكريم ـ في نظر الشيعة ـ لا يتسرّب إليه التحريف والتغيير ، لأنّه إذا نفذ التحريف إلى الكتاب العزيز فلا يكون التمسّك به موجباً للهداية ، وهذه النتيجة تخالف النص المتواتر .

صرّحت روايات أئمتنا المعصومين والتي رواها علماؤنا وفقهاؤنا أنّ القرآن ميزان لتمييز الحقّ من الباطل ، والصحيح من غيره ، وهذا بمعنى أنّ الكلام الوارد علينا باسم الحديث يجب عرضه على القرآن ; فما وافقه فهو حقّ وصحيح ، وما خالفه فهو باطل. والروايات الواردة في هذا المجال كثيرة ، مروية في كتب الحديث والفقه ، نذكر منها رواية واحدة :

روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) :

«ما لم يُوافِق مِن الحديثِ القُرآنَ فهو زُخرُفٌ»([38]).

فيستفاد من هذه الرواية أيضاً أنّ التغيّر والتحريف لا مجال له في القرآن الكريم ، ومن هنا فإنّ القرآن معيار لمعرفة الحقّ من الباطل إلى الأبد .

صرّح كبار علماء الشيعة والذين لهم قدم السبق في الثقافة الشيعية بأن القرآن لا يعتريه التحريف والتغيير . وبما أنّه يعسر إحصاء أسماء هؤلاء الأجلاّء جميعاً ، نذكر جملة منهم :

قال أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ، المعروف بالشيخ الصدوق  (المتوفّى سنة 381 هـ) : «اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمّد (صلى الله عليه وآله) هو ما بين الدفّتين ، وهو ما في أيدي الناس»([39])

وقال السيد المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي العلوي ، المعروف بعلم الهدى ( المتوفّى سنة 436 هـ): «وإنّ جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود ، واُبي بن كعب ، وغيرهما ، ختموا القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله) عدّة ختمات ، وكلّ ذلك يدل بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث»([40]) .

وقال أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ، المعروف بالشيخ الطوسي ( المتوفّى سنة 460 هـ) : «وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضاً ، لأن الزيادة فيه مجمعٌ على بطلانها ، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا ، وهو الذي نصره المرتضى(رحمه الله) ، وهو الظاهر من الروايات . غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن ، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً ، والأولى الإعراض عنها ، وترك التشاغل بها ، لأنه يمكن تأويلها»([41]) .

وقال أبو علي الطبرسي صاحب التفسير المعروف «مجمع البيان»: «ومن ذلك: الكلام في زيادة القرآن ونقصانه ، فإنه لا يليق بالتفسير; فأمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانه. وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أنّ في القرآن تغييراً أو نقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه»([42]) .

وقال عليّ بن طاووس الحلّي المعروف بالسيد ابن طاووس ( المتوفّى سنة  664 هـ): «في نظر الشيعة أنّ القرآن لا يتطرق إليه التحريف»([43]) .

وقال زين الدين العاملي ( المتوفّى سنة  877 هـ) في تفسير الآية: ) إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ(([44]) : «يعني أنّنا نصون القرآن ونحافظ عليه من كلّ تغيير وتحريف»([45]) .

وقال القاضي السيد نور الدين التستري صاحب كتاب «إحقاق الحقّ» (المتوفّى سنة  1019 هـ) : «ما نسبه البعض إلى الشيعة الإمامية من القول بتحريف القرآن ، ليس هو قول الشيعة أجمع، وإنّما قال به قليل منهم ، ولا يعتنى بهم»([46]) .

وقال محمد بن حسين المعروف ببهاء الدين العاملي (المتوفّى سنة 1030 هـ) : «الصحيح أنّ القرآن العظيم مصون عن كلّ زيادة ونقصان ، وما يقال من أنّه "حذف اسم أمير المؤمنين(عليه السلام) من القرآن" فهو غير مرضي عند العلماء ، وكلّ من يسبر التاريخ والروايات يعلم أنّ القرآن ـ لتواتره ونقل آلاف الصحابة له ـ ثابت ، وأنّه جمع على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)»([47]) .

 9ـ  وقال الفيض الكاشاني صاحب كتاب الوافي (المتوفّى سنة    1091 هـ) : «فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير، وأيضا قد استفاض عن النبي (صلى الله عليه وآله)والأئمة(عليهم السلام) حديث عرض الخبر المروي على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له وفساده بمخالفته فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرفا فما فائدة العرض مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذب له فيجب رده والحكم بفساده أو تأويله»([48]) .

10ـ وقال الشيخ الحرّ العاملي (المتوفّى سنة 1104 هـ): «كلّ من يسبر التاريخ والروايات يعلم أنّ القرآن ـ لتواتره ونقل آلاف الصحابة له ـ ثابت ، وأنّه جمع ورتِّب على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)»([49]) .

11ـ وقال المحقق الجليل الشيخ جعفر كاشف الغطاء في كتابه المعروف (كشف الغطاء):«لا ريب في أنّه محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديّان ، كما دلّ عليه صريح القرآن وإجماع العلماء في جميع الأزمان ، ولا عبرة بالنادر»([50]) .

12ـ وقال قائد الثورة الإسلامية الإمام الخميني(قدس سره) : «إنّ الواقف على عناية المسلمين على جمع الكتاب وحفظه وضبطه قراءة وكتابة ، يقف علي بطلان تلك المزعمة، وأنّه لا ينبغي أن يركن إليه ذو مسكة . وما وردت فيه من الأخبار، بين ضعيف لا يُستدلّ به، إلى مجعول يلوح منها أمارات الجعل، إلى غريب يقضى منه العجب، إلى صحيح يدلّ على أن مضمونه تأويل الكتاب وتفسيره، إلى غير ذلك من الأقسام التي يحتاج بيان المراد منها إلى تأليف كتاب حافل، ولولا خوف الخروج عن طور الكتاب لأرخينا عنان البيان إلى بيان تأريخ القرآن، وما جرى عليه طيلة تلك القرون، وأوضحنا لك أن الكتاب هو عين ما بين الدفّتين. والاختلاف الناشئ بين القرّاء ليس إلاّ أمراً حديثاً، لا ربط له بما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين»([51]) .

 

 

النتيجة :

بهذا يتضح أنّ جمهور المسلمين سنّة وشيعة يعتقدون أنّ القرآن الموجود بأيدينا هو القرآن النازل على النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وأنّه مصون عن التغيير والتحريف سواء كان زيادة أو نقصاً .

كما يتضح بذلك وهن ما نسب إلى الشيعة من القول بالتحريف ، وإن كانت النسبة إليهم بسبب وجود روايات ضعيفة في ذلك ، فنقول إن وجود الروايات الضعيفة لا يختص بطائفة يسيرة من الشيعة بل روى جملة من المفسرين السنّة روايات في ذلك أيضاً ، نشير إلى بعضها :

روى أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره عن أبي بكر الأنباري عن اُبي بن كعب :

«كانت هذه السورة تعدل سورة البقرة، وكانت فيها آية الرجم: (الشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيا فارجموهما ألبتَّةَ نَكالاً من اللهِ واللهُ عزيزٌ حكيمٌ)»([52]) .

وروى فيه أيضاً عن عائشة أنها قالت :

«كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مئتي آية ، فلما كتب المصحف لم يقدر منها إلاّ على ما هي الآن»([53]) .

2ـ  وقال السيوطي في كتاب الإتقان :

«وفي مصحف ابن مسعود مئة واثنتا عشرة سورة ; لأنه لم يكتب المعوّذتين . وفي مصحف اُبي مئة وست عشرة لأنّه كتب في آخره سورتي الحفد والخلع»([54]) .

مع أنّ الجميع يعلم أنّ عدد سور القرآن مئة وأربع عشر سورة ، ولا نجد أثراً لسورتي الحفد والخلع .

وروى هبة الله بن سلامة في كتاب «الناسخ والمنسوخ» عن أنس بن مالك أنّه قال :

«كنا نقرأ سورة تعدل سورة التوبة ما أحفظ منها إلاّ هذه الآية: (لو كان لابنِ آدمَ واديانِ من ذهب لابتغى إليهما ثالثا، ولو أنّ له ثالثاً لابتغى إليه رابعاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب، ويتوب الله على من تاب)([55]) .

والحال أنّنا لا نجد آية في المصحف بهذا النص أو المضمون ، مع عدم انسجامها مع بلاغة القرآن .

4 ـ وروى جلال الدين السيوطي في تفسيره «الدر المنثور» عن حذيفة قال :

«قال لي عمر بن الخطاب: كم تعدّون سورة الأحزاب؟ قلت: ثنتين أو ثلاثاً وسبعين. قال: إن كانت لتقارب سورة البقرة، وإن كان فيها لآية الرجم»([56]) .

وعليه فنفر قليل من السنة والشيعة روت روايات ضعيفة في وقوع التحريف والتغيير في القرآن الكريم ، وهذه الروايات الضعيفة غير مقبولة عند أكثر المسلمين سنّة وشيعة ، بل تردها آيات الكتاب العزيز ، والروايات الصحيحة والمتواترة ، والإجماع ، واتفاق آلاف الصحابة ، واتفاق مسلمي العالم ، فإنها جميعاً متفقة على عدم وقوع التحريف زيادة أو نقصاً في الكتاب المجيد .


 

السؤال السابع عشر

ما هو رأي الشيعة في الصحابة ؟

ينقسم من تشرف بلقاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) في نظر الشيعة إلى أقسام ، ونرى من المناسب أولاً وقبل ذكر الأقسام أن نذكر تعريف الصحابي إجمالاً ، فنقول :

توجد تعريفات عديدة لصحابة النبيّ ، نشير إلى بعضها فيما يلي :

1ـ  يقول سعيد بن المسيب :

«لا يعد الصحابي إلاّ من أقام مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين»([57]) .

2ـ  وقال الواقدي :

«رأيت أهل العلم يقولون : كلّ من رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه ، فهو عندنا ممن صحب النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولو ساعة من نهار»([58]) .

3ـ  وقال محمد بن إسماعيل البخاري :

«من صحب النبي(صلى الله عليه وآله) أو رآه من المسلمين فهو صحابي»([59]) .

4 ـ  وقال أحمد بن حنبل :

«كلّ من صحب النبيّ (صلى الله عليه وآله) شهراً أو ساعة أو رأى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فهو صحابي»([60]) .

وهنا نشير إلى أنّ أحد الاُمور المسلّمة بين علماء السنّة هو القول بعدالة الصحابة ، بمعنى أنّ من أدرك صحبة النبيّ (صلى الله عليه وآله) فهو عادل([61]) .

ولنذكر الآن تحقيق هذا المقال تبعاً للوارد في الآيات الكريمة ، ثمّ نعقّبه بذكر رأي الشيعة ـ النابع من مفاد الكتاب والسنة ـ في المسألة .

ذكر التأريخ أسماء وأوصاف أكثر من اثني عشر ألف شخصاً بعنوان «صحابة النبيّ(صلى الله عليه وآله)» ، نجد فيما بينهم وجوهاً مختلفة . ولا شك أنّ صحبة الرسول الكريم فخر عظيم ما ناله إلاّ طائفة من المسلمين . والاُمة الإسلامية تنظر إليهم دوماً بعين الإجلال والتعظيم ; فهم السابقون للإسلام ، وهم الذين هزّوا راية الإسلام المنصورة لأول مرة . بل إنّ القرآن الكريم مجّد بهم أيضاً فقال :

) لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا (([62]) .

لكن يجب القول أيضاً أنّ صحبة النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم تكن إكسيراً يقلب ويغيّر حقائق المسلمين ، بل ليست ضماناً للصحابي يضمن له الاستقامة مدى حياته .

ولإيضاح المسألة أكثر يجدر بنا الرجوع للقرآن الكريم والذي عليه اتفاق جميع المسلمين ; لننظر ما يرشدنا إليه في هذا المجال .

 

الصحابي في الرؤية القرآنية :

ينقسم من تشرّف بلقاء وصحبة النبيّ(صلى الله عليه وآله) في النظرة القرآنية إلى قسمين :

القسم الأول :

هم الذين أطرتهم الآيات الخالدة للكتاب العزيز ، ووصفتهم بمؤسسي كيان الإسلام الشامخ العزيز ، ونحن ننقل إليك بعض المقاطع النورانية من آي الذكر الحكيم المتعلقة بهذا القسم :

1 ـ  السابقون الأولون :

)وَ السّابِقُونَ الاَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الاَْنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسان رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنّات تَجْرِي تَحْتَهَا الاَْنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (([63]) .

) لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (([64]) .

2 ـ  المهاجرون :

) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَ رِضْوانًا وَ يَنْصُرُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (([65]) .

 

 

3ـ أصحاب الفتح :

)مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَ رِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ (([66]) .

القسم الثاني :

القسم الثاني ممّن صحب النبيّ(صلى الله عليه وآله) هم المنافقون أصحاب الوجوه المتعددة ، وأصحاب القلوب المريضة ، وقد فضحهم الذكر الحكيم ، وأبان حقيقتهم للنبيّ الكريم عليه وآله صلوات المصلّين ، وإليك بعض الآيات المتعلقة بهذا القسم :

1ـ المنافقون المعروفون :

) إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَ اللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (([67]) .

2ـ  المنافقون المجهولون :

) وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الاَْعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذاب عَظِيم (([68]) .

3ـ  أصحاب القلوب المريضة :

) وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللّهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّ غُرُورًا (([69]) .

4ـ المذنبون :

) وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحًا وَ آخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (([70]) .

مضافاً إلى الآيات المذكورة الذامّة لهؤلاء الصحابة ، وردت بعض الروايات عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) في ذمّ بعض الصحابة ، وإليك نموذجان منها :

روى أبو حازم سهل بن سعد قال : سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول :

«أنا فرطكم على الحوض ، من ورد شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبدا ، وليردنّ عليّ الحوضَ أقوامٌ أعرفُهم ويعرفونني ، ثمّ يُحال بيني وبينهم»

قال أبو حازم : فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا اُحدثهم هذا الحديث ، فقال : هكذا سمعتَ سهلاً يقولُ ؟ قال : فقلت : نعم . قال : وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول :

إنّهم من اُمتي ! فيقالُ : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سُحقاً سُحقاً لمن بدّل بعدي»([71]) .

فيعرف من قوله(صلى الله عليه وآله) «أقوامٌ أعرفُهم ويعرفونني» ، ومن قوله : «سُحقاً لمن بدّل بعدي» ، أنّ المراد من هؤلاء أصحابه الذين عاشوا معه مدة .

2ـ  روى البخاري ومسلم عن النبيّ أنّه قال :

«يرد عليّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي فيجلون([72]) عن الحوض ، فأقول يا ربّ أصحابي ! فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى»([73]) .

النتيجة :

المستفاد من آيات الكتاب والسنّة الشريفة أنّ الذين نالوا شرف صحبة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ليسوا بمرتبة واحدة ، وإنما هم على مراتب متعددة ، فبعضهم في أعلى درجات الكمال والرفعة ، حتى كان السبب في نمو شجرة الإسلام اليانعة . وبعضهم مريض القلب ، منافق ، له وجهان . وبعضهم مذنب .

وبهذا يتضح نظر الشيعة في الصحابة ، وهو عين النظرة القرآنية والنبوية لهم .


 

السؤال الثامن عشر

ما المراد من نكاح المتعة ولماذا يحكم الشيعة بحلّيته ؟

الجواب :

حقيقة النكاح هي نوع علاقة وارتباط شرعيّ يحصل بين الرجل والمرأة ، غاية الأمر أنّ هذه العلاقة بين الزوجين قد يكون لها أمد معين تنتهي إليه ، وقد لا يكون لها أمد وزمان مشخص في العقد بل هي علاقة دائمية بين الزوجين . فكلا النحوين نكاح شرعي وإنما الفرق بينهما هو في المدّة فأحدهما دائم والآخر مؤقّت وله مدّة معيّنة ، والنكاحان متشابهان في كثير من الخصوصيات .

وأما الشروط المعتبرة في نكاح المتعة فهي نظير الشروط المعتبرة في النكاح الدائم ، وهي :

1ـ  أن لا يمنع من زواجهما مانع شرعي ، سببياً كان المانع ، أو نسبياً ، أو غيرهما ، فإن منع مانعٌ كان عقدهما باطل .

2ـ  أن يذكر المهر المتفق عليه بين الزوجين في صيغة العقد .

أن تعيّن مدة الزواج .

إجراء صيغة العقد بين الزوجين .

الطفل المولود من الزوجين بهذا النكاح طفلهما شرعاً ، كالطفل المولود من النكاح الدائم ، من دون أيّ فرق بينهما ، فيجب أن يمنح جنسية كما يمنح المولود من النكاح الدائم .

نفقة الأولاد المولودين بهذا النكاح على الأب ، كالنكاح الدائم . ويرث الأولاد أبويهما .

إذا انقضت مدة نكاح المتعة وجبت العدّة على الزوجة إن لم تكن يائساً ، فإن تبيّن خلال العدّة أنها حامل فلا يحق لها التزويج حتى تنقضي العدة .

وهكذا يجب رعاية بقيّة أحكام النكاح الدائم في نكاح المتعة سوى أمرين هما ;

أـ بما أنّ الهدف من تشريع نكاح المتعة هو رفع الضرورة فلا يجب على الزوج النفقة على الزوجة ، بل نفقة الزوجة من مالها .

ب ـ  ليس للزوجة إرث في هذا الزواج إن لم تشترطه في متن العقد .

ومن الواضح أنّ كلا الأمرين خارجان عن حقيقة النكاح . والجميع يعتقد أنّ الشريعة الإسلاميّة شريعة خالدة ، وهي خاتمة الشرائع الإلهيّة ، وهي الشريعة المتكاملة التي تلبّي حوائج البشرية أجمع .

وهنا نقول : إنّ الشابّ الذي يعيش الغربة ـ سواء في مدينة اُخرى أو في بلد آخر ـ من أجل إكمال دراسته الجامعية مثلاً هو بحاجة إلى ما يسدّ غريزته الجنسية من جانب ، والظروف التي يعيشها ـ من الناحية المادية وغيرها ـ لا  تساعده على الزواج الدائم من جانب آخر ، فهذا الشاب يرى أمامه ثلاث طرق لابدّ له من اختيار أحدها ، هي :

أـ أن يبقى على هذه الحال والمعاناة من حالة العزوبة .

ب ـ أن ينجرف في أمواج الفساد والفحشاء .

جـ ـ أن يتكيّف مع هذه الشرائط الحاكمة عليه فيلبّي حاجته ضمن الإطار الشرعي ; وذلك بالزواج بامرأة ـ ليس لها مانع شرعي من التزويج به ـ لمدّة معينة .

أما الطريق الأول فهو طريق فاشل غالباً ; وإن كان عدد قليل من الشباب ينجح في صبره ومقاومته وتحمّله ، ولكن هذا الطريق لا يمكن تطبيقه على الجميع بلا ريب .

وأما الطريق الثاني فعاقبة سالكه هي الضلال المبين ، وهو طريق محرّم ; فهو عمل حرام شرعاً كما لا يخفى . كما أنّ تجويزه بحجّة الضرورة نوعٌ من الضلال والانحراف الفكري أيضاً .

وعليه فلا يبقى سوى الطريق الثالث الذي أبداه واقترحه لنا الشرع الإسلامي المقدّس ، والذي عمل به المسلمون في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وإنّما وقع الخلاف فيه بعده (صلى الله عليه وآله) .

ولابدّ من التنبيه على أمر هو : إنّ الذين يتخوّفون من نكاح المتعة ، ويعتقدون أنّه نكاح غير مشروع عليهم أن يلتفتوا إلى أن فقهاء المسلمين أجمع يرون صحّة نظيره في العقد الدائم وذلك إذا نوى الزوجان عند العقد إيقاع الطلاق بعد سنة مثلاً فإن هذا العقد وإن كان دائماً صورة لكنه مؤقت حقيقة ومع ذلك يراه الفقهاء صحيحاً . نعم الفرق بين هذا العقد الدائم والمؤقت هو أنّ هذا العقد ظاهره دائم وباطنه مؤقت ، وعقد المتعة ظاهره وباطنه مؤقت .

فمن يرى صحة أمثال هذا العقد الدائم ـ والذي يحكم بصحته جميع فقهاء المسلمين ـ كيف يفسح لنفسه المجال للتخوّف من تجويز المتعة !

وبهذا اتّضحت حقيقة عقد المتعة ، بقي الكلام في أدلّة مشروعيتها ، ومن المناسب أن نطرح هذا البحث ضمن مرحلتين ، هما :

مشروعية نكاح المتعة .

عدم نسخ المتعة في زمان النبيّ (صلى الله عليه وآله) .

أما أدلّة مشروعيتها ، فمن أوضح الأدلّة عليها قوله تعالى :

) فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (([74]) .

ومن الواضح أنّ هذه الآية واردة في النكاح المؤقّت ; فإنها :

أولاً: ان الآية استعملت لفظ : «اسْتَمْتَعْتُمْ» ، وهذا اللفظ ظاهر في نكاح المتعة ، ولو اُريد العقد الدائم منه للزم نصب قرينة عليه ، ولا قرينة في الآية .

ثانياً: ان الآية استعملت لفظ : «أُجُورَهُنَّ» ، وهو قرينة واضحة على إرادة نكاح المتعة ، لإنها لو أرادت العقد الدائم لعبّرت بـ «مهورهنّ» أو بـ «صداقهنّ» ونحو ذلك من التعابير الدالة على المهر .

ثالثاً: صرح المفسرون ـ سنة وشيعة ـ بأن الآية نزلت في نكاح المتعة . فنقل جلال الدين السيوطي في تفسيره المعروف «الدر المنثور» عن ابن جرير والسدّي أنّ الآية نزلت في نكاح المتعة .

كما روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن السدّي ومجاهد وابن عباس أنّ الآية في النكاح المؤقت .

رابعاً: هذا الأمر مما سلّم به أصحاب الصحاح والمسانيد وأصحاب الجوامع الحديثية ، وعلى سبيل المثال ننقل إليك ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا :

«خرج علينا منادي رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد أذن لكم ان تستمتعوا ، يعني متعة النساء»([75]) .

والروايات المسندة والصحيحة لا يَسَعها المقام ، وعليه فأصل تشريع المتعة في صدر الإسلام وفي عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله) ثابت لدى العلماء والمفسرين([76]) .

بقي الكلام في أنّ آية المتعة هل هي منسوخة أم لا  ؟ حيث أنك قلّما تجد من ينكر مشروعية المتعة في زمان النبيّ(صلى الله عليه وآله) إنما الكلام في نسخ الآية وعدمه .

الروايات الشريفة والتاريخ يثبت أنّ المتعة كانت معمولاً بها في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وبعده إلى زمان خلافة الخليفة الثاني ، وقد منعها الخليفة الثاني ونهى عنها لمصالح خاصة; فروى مسلم في صحيحه عن أبي نضرة قال :

«كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال : إنّ ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين ، فقال جابر : فعلناهما مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما»([77]) .

وقال السيوطي في تفسيره «الدر المنثور» :

أخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن الحكم أنّه سئل عن هذه الآية أمنسوخة ؟ قال : لا . وقال عليّ: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقيّ»([78])

وروى القوشجي في شرح التجريد عن عمر أنّه قال على المنبر :

«أيّها الناس ، ثلاث كنّ على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وأنا أنهى عنهنّ ، واُحرّمهنّ ، واُعاقب عليهنّ : متعة النساء ، ومتعة الحج ، وحيّ على خير العمل»([79]) .

وتنبغي الإشارة إلى أنّ الروايات الواردة في المقام أكثر مما يسَعها المقام .

كما ينبغي التنبيه على أنّ المتعة من أقسام النكاح ، اذ ينقسم النكاح إلى دائم ومؤقت ، والمرأة التي يُعقد عليها بعقد المتعة هي زوجة للإنسان ، وكذا فإن الرجل يكون زوجاً لها ، وعليه فالآيات الواردة في الزواج تكون شاملة له أيضاً ، فإذا قال القرآن :

) وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (([80]) .

فالمرأة التي دخلت في زوجيّة الرجل بعقد مؤقت ـ ضمن الشرائط السالفة ـ داخلة في قوله تعالى : ) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ( وليست خارجة عن نطاق الآية الشريفة ، بمعنى أنّ هذه المرأة ـ التي دخلت في حبالة الرجل بعقد المتعة ـ زوجة لهذا الرجل ويشملها عنوان ) أَزْواجِهِمْ ( الوارد في الآية .

واذا كانت الآيات المذكورة تجيز العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة لطائفتين فحسب ، هما : الزوجات والإماء ، فالمرأة المتمتّع بها تكون داخلة في القسم الأول وهو الزوجات .

والعجب من قول البعض حيث قال : ان الآيات من سورة «المؤمنون» ناسخة لآية المتعة الواردة في سورة النساء ، مع وضوح أنّ نزول إلآية الناسخة يجب أن يكون بعد نزول المنسوخة ، مع أنّ المقام ليس كذلك ; فآية المتعة متأخرة نزولاً عن الآيات في سورة «المؤمنون» ، فسورة «المؤمنون» مكّية (أي أنها نزلت على النبيّ(صلى الله عليه وآله) في مكة قبل هجرته للمدينة) ، وسورة النساء مدنيّة (أي أنّها نزلت على النبيّ(صلى الله عليه وآله) في المدينة المنورة بعد هجرته إليها) ، وآية المتعة وردت فيها . فكيف يمكن أن تكون الآية المكّية ناسخة لآية مدنية ؟!

والدليل الآخر على عدم نسخ آية المتعة هو الروايات الكثيرة المصرحة بعدم نسخها في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، نظير الرواية التي نقلناها عن السيوطي في تفسيره «الدر المنثور»([81]) ، وتقدم توضيحها .

وفي ختام المطاف نشير إلى أنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والذين هم الهداة للاُمة والقرين الذي لا ينفكّ للقرآن ـ بمقتضى حديث الثقلين ـ صرّحوا بعدم نسخ زواج المتعة([82]) .

ويمكن تأييد حلّية النكاح المؤقت مع رعاية شرائطه المذكورة بأنّ الشريعة الإسلامية المقدّسة قادرة على حلّ المشاكل والمعضلات التي تواجه المجتمعات البشرية في جميع العصور ، فانّ أحد الأساليب لنجاة الشباب من الانجراف في سيول الانحراف والضلال هو النكاح المذكور بشرائطه السالفة .


 

السؤال التاسع عشر

لماذا يسجد الشيعة على التربة ؟

يعتقد طائفة من الناس أنّ السجود على التربة أو السجود على تربة الشهداء هو نوع عبادة للتربة وهو من الشرك بالله العظيم .

الجواب :

للإجابة على هذا السؤال لابدّ من التنبيه على وجود فرق واضح بين عبارتي «السجود لله» و «السجود على الأرض» ، وأساس الشبهة في السؤال المذكور هو الخلط بين العبارتين وعدم الفرق بينهما .

من المتسالم عليه أنّ مفاد عبارة «السجود لله» هو أن يكون السجود لله ، مع أنّ مفاد جملة «السجود على الأرض» أنّ السجود يكون على الأرض . وبعبارة اُخرى أننا في سجودنا على الأرض نسجد لله سبحانه وتعالى . وأساساً فإن سجود المسلمين أجمع لابدّ ان يقع على شيء ما ، والحال أنّ سجودهم لله سبحانه ، وجميع الحجاج يسجدون على أرض وأحجار المسجد الحرام مع أنّهم لا يريدون بسجودهم أحداً غير الله .

وبهذا البيان اتضح أنّ السجود على الأرض والنبات ليس عبادة لها ، وإنما هو خضوع وعبادة لله بالخضوع له إلى حد السجود على التراب . كما اتضح أنّ السجود على التربة غير السجود للتربة . فمن جانب نجد القرآن يقول :

) وَ لِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الاَْرْضِ (([83]) .

ومن جانب آخر يقول نبينا (صلى الله عليه وآله) :

«جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»([84]) .

وعليه فالسجود لله لا ينافي السجود على الأرض أو على التربة ، وإنما بينهما تمام الانسجام والملاءمة ; فالسجود على التراب والنبات رمز لشدة الخضوع والتذلل لله الواحد القهار .

ولأجل ايضاح ما تقول به الشيعة في المقام لا بأس بالإشارة إلى مقطع من كلام إمامنا ورئيس مذهبنا الصادق المصدّق جعفر بن محمد(عليه السلام) :

قال هشام بن الحكم لأبي عبد الله(عليه السلام) : أخبرني عما يجوز السجود عليه وعمّا لا يجوز ! قال : السجود لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما اُكل أو لُبس . فقال له : جعلت فداك ما العلّة في ذلك ؟ قال : لأن السجود خضوع لله عزّوجلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل أو يلبس لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ، والساجد في سجوده في عبادة الله عزّوجلّ فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغترّوا بغرورها ، والسجود على الأرض أفضل لأنه أبلغ في التواضع والخضوع لله عزّوجلّ»([85]) .

فهذا الكلام النوراني واضح في أنّ علة السجود على التراب هو انسجامه مع شدة الخضوع لله سبحانه وتعالى .

*      *      *      *      *

وهنا سؤال آخر يُطرح في المقام وهو : لماذا يرى الشيعة أنفسهم مقيّدون بالسجود على التراب والنباتات ولا يسجدون على كلّ شيء ؟

وفي الجواب عليه نقول:كما أنّ أصل العبادة يجب أن تصل إلينا من الشارع المقدس ، فكذا كيفيتها وشرائطها لابدّ أن تصل إلينا منه ; من قول النبيّ(صلى الله عليه وآله) أو فعله أو تقريره ; فان النبيّ اُسوة للناس أجمع بصريح القرآن الكريم .

وإليك بعض المختارات من الأحاديث الإسلاميّة التي تبين سيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، والتي هي أجمع تبين أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان يسجد على التراب أو على ما أنبتت الأرض كالحصير ، على النحو الذي يعتقد به الشيعة :

1ـ  روى جملة من المحدثين في صحاحهم ومسانيدهم قول النبيّ(صلى الله عليه وآله) الذي يبين فيه للناس أنّ الأرض مسجد له (صلى الله عليه وآله) وذلك قوله :

«جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»([86]) .

فكلمة «جعلت» في الحديث للتشريع والتقنين ، فتفيد أنها حكم إلهي للمسلمين ، فيثبت به مشروعية السجود على التراب والأحجار والصخور ومطلق وجه الأرض .

2ـ  دلت مجموعة من الروايات على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يأمر المسلمين بالسجود على التراب كما روت لنا اُم سلمة عنه (صلى الله عليه وآله) :

«ترِّب وجهك لله تعالى»([87]) .

فانّ صيغة «ترّب» تفيد أمرين ; أحدهما : أنّ الإنسان عند سجوده يجب عليه أن يضع جبهته على التراب . والثاني : أنّ هذا أمر يجب العمل به ; لأنّ صيغة «ترّب» فعل أمر من مادة التراب ، وصيغة الأمر تدل على الوجوب.

3 ـ  فعل النبيّ (صلى الله عليه وآله) وسيرته  دليل  واضح للمسلمين،  فروى

وائل بن حجر :

«رأيت النبيّ (صلى الله عليه وآله) إذا سجد وضع جبهته وأنفه على الأرض»([88]) .

وروى أنس بن مالك وابن عبّاس وبعض نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله) كاُم سلمة وعائشة وعدد من المحدثين :

«كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) يصلى على الخمرة([89])»([90]) .

وروي عن الصحابي أبي سعيد الخدري :

«أنّه دخل على النبيّ(صلى الله عليه وآله) ـ قال : ـ فرأيته يصلي على حصير يسجد عليه»([91]) .

4ـ  أقوال وأفعال الصحابة كاشف آخر عن سنة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، فيقول جابر بن عبد الله الأنصاري :

«كنت أصلّي الظهر مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) فآخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفى أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر»([92]) .

قال البيهقي :

«ولو جاز السجود على ثوب متّصل به لكان ذلك أسهل من

تبريد الحصا في الكف ووضعها للسجود عليها وبالله التوفيق»([93]) .

وروى ابن سعد (المتوفى سنة 209 هـ ق ) في كتابه المعروف «الطبقات» :

«كان مسروق إذا خرج يخرج بلبنة يسجد عليها في السفينة»([94]) .

الجدير بالذكر أنّ مسروق بن الأجدع من التابعين ومن أصحاب ابن مسعود ، وقد عده صاحب الطبقات من الطبقة الاُولى من أهل الكوفة ، وفي عداد من روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي(عليه السلام) وعبد الله بن مسعود .

فهذا الكلام يوضح لنا وهن وبطلان قول من يدعي أنّ السجود على التربة شرك وبدعة ، حيث انه يثبت لنا أنّ المسلمين في العصر الأول كانوا يفعلون ذلك([95]) .

ويقول نافع :

«إنّ ابن عمر كان إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتى يضع جبهته بالأرض»([96]) .

كما يقول رزين مولى ابن عبّاس :

«كتب إلي علي بن عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) أن إبعث اليّ بلوح من أحجار المروة أسجد عليه»([97]) .

5ـ  روى المحدثون الإسلاميون روايات تدل على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) نهى عن وضع طرف العمامة بين الجبهة والأرض عند السجود . يقول صالح بن حيوان السبائي :

«ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى رجلا يسجد بجنبه وقد اعتمّ على جبهته ، فحسر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن جبهته»([98]) .

وروى عياض بن عبد الله القرشي :

«رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا يسجد على كور عمامته ، فأومأ بيده : ارفع عمامتك ، واومأ إلى جبهته»([99]) .

فهذه الروايات تدلّ بوضوح على أنّ السجود على الأرض كان أمراً مسلّماً بين المسلمين في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله) بحيث لو وضع أحد المسلمين طرف ثوبه أو عمامته على الأرض ليسجد عليه لنهاه النبيّ(صلى الله عليه وآله) .

صرّح به أئمّتنا المعصومون الذين هم قرين القرآن على ما صرّح به حديث الثقلين ، ومن جانب آخر فهم أهل بيت نبيّنا الكريم(صلى الله عليه وآله) ، فعن إمامنا الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) :

«السجود على الأرض فريضة وعلى الخمرة سنّة»([100]) .

وقال (عليه السلام) أيضاً :

«السجود لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما اُكل أو لُبس»([101]) .

النتيجة :

تبيّن بوضوح من خلال عرضنا للأحاديث والأدلّة المختلفة أنّ السجود على الأرض وما أنبتت ـ إلاّ ما اُكل أو لبس ـ لا يختصّ بروايات أهل البيت (عليهم السلام) ، بل هو ثابت في سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وسيرة الصحابة والتابعين .

أضف إلى ذلك كلّه أنّ السجود على الأرض وما أنبتت ـ دون المأكول والملبوس ـ مما لا ريب ولا خلاف في جوازه ، وأما غيره ففيه الخلاف والترديد ، والاحتياط ـ الذي هو سبيل النجاة ـ يقتضي الاكتفاء بها وعدم السجود على غيرها كما هو واضح .

وفي الختام نشير إلى أنّ هذه مسألة فقهية ، والخلاف فيها ـ كغيرها من الفروع ـ بين فقهاء الإسلام طبيعي ، فلا ينبغي أن يكون مثاراً للتوتر بين المسلمين ، فنحن نجد الخلاف في المسائل الفقهية الكثيرة بين الفرق الأربعة لأهل السنة أيضاً ، فمثلاً يرى المالكية استحباب وضع الأنف عند السجود على ما يسجد عليه ، ويرى الحنابلة وجوب ذلك ، بل جعلوا تركه موجبا لبطلان السجود([102]) .


 

السؤال العشرون

لماذا يتبرّك الشيعة بأبواب وجدران المشاهد عند زيارتهم لها ؟

الجواب :

التبرك بآثار الأولياء ليس أمراً جديداً حصل اليوم عند فرقة إسلامية ، بل له جذور قديمة في التاريخ ترجع إلى حياة نبينا (صلى الله عليه وآله) وأصحابه الكرام ، بل إلى الأنبياء السابقين أيضاً . وإليك أدلّة مشروعية التبرك بآثار أولياء الله في نظر الكتاب والسنة :

نقرأ في الذكر الحكيم في قصة يوسف(عليه السلام) أنّه عندما عرّف نفسه الشريفة لاخوته واستغفر لهم قال لهم :

) اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (([103]) .

ثمّ يقول تعالى :

)فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا (([104]) .

فهذا الكلام القرآني الواضح صريح في أنّ نبي الله يعقوب(عليه السلام) تبرّك بقميص ولده نبي الله يوسف(عليه السلام) ، وأنّ القميص كان سببا لرجوع بصر يعقوب(عليه السلام) . فهل يمكن القول بأن فعل هذين النبيين كان خارجاً عن اطار التوحيد ؟ !

لا شك ولا ريب أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان يطوف بالبيت الحرام ، ويستلم الحجر ، ويقبّله . فروى البخاري في صحيحه عن الزبير بن عربي قال سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر فقال :

«رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يستلمه ويقبله»([105]) .

فاذا كان لمس الحجر وتقبيله شرك لما فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي يدعو الناس للتوحيد !

نجد في مطاوي الروايات الكثيرة والتي رواها أصحاب الصحاح والمسانيد أنّ الصحابة كانوا يتبركون بآثار النبيّ(صلى الله عليه وآله) ; من لباسه ، وفضالة ماء وضوئه ، وإنائه ، و... فعند مراجعة هذه الأخبار لا يبقى مجال للشك في حسنه ومشروعيته .

وبما أنّ الكتاب لا يسع لنقل جميع هذه الروايات واستقصائها ، ننقل إليك نماذج منها ، هي :

أـ روى البخاري في صحيحه رواية طويلة في بيان بعض خصوصيات النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأصحابه ، جاء فيها :

«وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه»([106]) .

ب ـ روى مسلم في صحيحه عن عائشة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله) :

«إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يؤتى بالصبيان فيبرّك عليهم ويحنّكهم»([107]) .

ج ـ وروى الترمذي في سننه عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن جدته كبشة قالت :

«دخل علَيَّ رسولُ الله(صلى الله عليه وآله) فشربَ من في قربة معلّقة قائماً ، فقمتُ إلى فيها فقطعتُه»([108]) .

وقال محمد طاهر المكي :

«رواه الترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح . وقال شارح الحديث في كتاب رياض الصالحين : وقطع اُم ثابت لفم القربة لتحفظ موضعاً أصابه فم رسول الله(صلى الله عليه وآله) للتبرّك به والاستشفاء ، فكان الصحابة يحاولون الشرب من الموضع الذي شرب منه رسول الله(صلى الله عليه وآله)»([109]) .

دـ  روى مسلم في صحيحه عن انس بن مالك قال :

«كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذا صلّى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلاّ غمس يده فيها ، فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها»([110]) .

وبهذا اتّضحت أدلّة جواز التبرّك بآثار الصالحين والأولياء ، وعُلم بذلك أنّ الذين يتّهمون الشيعة بالشرك ـ بسبب تبرّكهم بآثار الأولياء ـ لم يفهموا معنى التوحيد والشرك فهماً صحيحاً ، فالمعنى الصحيح للشرك هو أن يُعتقد اُلوهية موجود وعبادته إلى جانب عبادة الله سبحانه وتعالى ، أو نسبة الأفعال الإلهية لذلك الموجود بنحو يُنسب أصل الوجود أو أثره ـ بنحو الاستقلال عن الله سبحانه وتعالى ـ إلى هذا الموجود . مع أنّ الشيعة يعتقدون أنّ أولياء الله وآثارهم مخلوقون له سبحانه ، فهم في أصل وجودهم وفي آثارهم محتاجون للباري سبحانه وتعالى ولا غنى لهم عنه .

وإنما يتبرّك الشيعة بآثار الأولياء احتراماً لهم ; باعتبارهم القدوة الصالحة ، ولأجل إبراز محبتهم لهم . فإذا قبّل الشيعة ضريح رسول الله(صلى الله عليه وآله) أو ضريح أحد من أهل بيته عند زيارته ، أو طافوا حوله وتمسّحوا به ، فهو بسبب حبّهم للنبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) ، وهذا أمر عاطفي في وجود الإنسان ، ولهذا يقول الشاعر :

أمرُّ على الديارِ ديارِ ليلى                اُقبِّلُ ذا الجدار وذا الجدارا

وما حبُّ الديارِ شَغَفنَ قلبي        ولكن حبُّ من سَكنَ الديارا



([1])  مسند احمد بن حنبل ، ج 1 ، ص 301 . صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 91 (طبع مصر) .

([2])  طه : 109 .

([3])  المدثر : 48 .

([4])  غافر : 18 .

([5])  سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1441 ، ح 4310 . سنن الترمذي ، ج 4 ، ص 45 . سنن أبي داود ، ج 2 ،  ص 537 . مسند أحمد ، ج 3 ، ص 213 .

([6])  الزمر : 44 .

([7])  الحجر : 29 ـ 30 .

([8])  يوسف : 100 .

([9])  سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1444 باب ذكر الشفاعة .

([10])  النساء : 64 .

([11])  يوسف : 97 .

([12])  يوسف : 98 .

([13])  فاطر : 15 .

([14])  آل عمران : 126 .

([15])  الفاتحة : 5 .

([16])  الأحزاب : 17 .

([17])  البقرة : 45 .

([18])  الفاتحة : 5 .

([19])  الجن : 18 .

([20])  يونس : 106 .

([21])  نوح : 5 .

([22])  هود : 101 .

([23])  النساء : 64 .

([24])  غافر : 60 .

([25])  الجن : 18 .

([26])  الرعد : 11 .

([27])  الأعراف : 96 .

([28])  الصافات : 143 و 144 .

([29])  مسند احمد بن حنبل ، ج 5 ، ص 277 . المستدرك على الصحيحين ، ج 1 ، ص 493 ، وج 3 ، ص 481 .

([30])  النهاية في غريب الحديث لابن الاثير ، ج 1 ، ص 109 .

([31])  الرعد : 39 .

([32])  الكافي ، ج 1 ، ص 148 ، ح 9 .

([33])  الحجر : 9 .

([34])  نهج البلاغة : الخطبة 176 .

([35])  نهج البلاغة : الخطبة 176 .

([36])  نهج البلاغة : الخطبة 176 .

([37])  المعجم الصغير للطبراني ، ج 1 ، ص 135 .

([38])  الكافي ، ج 1 ، ص 69 ، ح 4 .

([39])  الاعتقادات : ص 93 .

([40])  تفسير مجمع البيان ، ج 1 ، ص 43 .

([41])  التبيان للشيخ الطوسي ، ج 1 ، ص 3 .

([42])  تفسير مجمع البيان ، ج 1 ، ص 42 .

([43])  سعد السعود : ص 144 .

([44])  الحجر : 9 .

([45])  اظهار الحق : ج 2 ، ص 130 .

([46])  الاء الرحمن ، ص 25 .

([47])  الاء الرحمن ، ص 25 .

([48])  التفسير الصافي، ج 1 ، ص 51 .

([49])  آلاء الرحمن ، ص 25 .

([50])  كشف الغطاء ، ج 2 ، ص 299 .

([51])  تهذيب الأصول (تقرير بحث السيد الخميني) ، ج 2 ، ص 96 .

([52])  تفسير القرطبي، ج 14 ، ص 113 .

([53])  تفسير القرطبي، ج 14 ، ص 113 .

([54])  الإتقان في علوم القرآن ، ج 1 ، ص 67 . الدر المنثور للسيوطي ، ج 6 ، ص 420 .

([55])  الناسخ والمنسوخ لابن حزم ، ص 9 .

([56])  الدر المنثور ، ج 5 ، ص 180 .

([57])  اُسد الغابة ، ج 1 ، ص 11 و 12 ، طبع مصر) .

([58])  المصدر السابق .

([59])  المصدر السابق .

([60])  المصدر السابق .

([61])  الاستيعاب في أسماء الأصحاب ، ج 1 ، ص 2 ، اسد الغابة ، ج 1 ، ص 3 نقلاً عن ابن الأثير .

([62])  الحديد : 10 .

([63])  التوبة : 100 .

([64])  الفتح : 18 .

([65])  الحشر : 8 .

([66])  الفتح : 29 .

([67])  المنافقون : 1 .

([68])  التوبة : 101 .

([69])  الأحزاب : 12 .

([70])  التوبة : 102 .

([71])  جامع الاُصول لابن الأثير : ج 11 ، ص 120 ، ح 7972  . ورواه البخاري ومسلم .

([72])  في نسخة «فيحلؤون عنه» .

([73])  صحيح البخاري ، ج 7 ، ص 208 .

([74])  النساء : 24 .

([75])  صحيح مسلم ، ج 4 ، ص 130 .

([76])  على نحو المثال نشير إلى بعض مصادرها :

(أ) مسند أحمد ، ج 4 ، ص 436 ، و ج 3 ص 356 .  (ب) الموطأ لمالك ، ج 2 ، ص 30 . (ج) سنن البيهقي ، ج 7 ، ص 306 . (د) تفسير الطبري ج 5 ، ص 9 . (هـ) النهاية لابن الأثير ، ج 2 ، ص 249 . (و) تفسير الرازي ، ج 3 ، ص 201 . (ز) تاريخ ابن خلكان ، ج 1 ، ص 359 . (ح) أحكام القرآن للجصاص ، ج 2 ، ص 178 . (ط) المحاضرات للراغب ، ج 2 ، ص 94 . (الجامع الكبير للسيوطي ، ج 8 ، ص 293 . (ي) فتح الباري لابن حجر ، ج 9 ، ص 141 .

([77])  صحيح مسلم ، ج 4 ، ص 59 ، وأيضاً : ص 131 . السنن الكبرى للبيهقي ، ج 7 ، ص 206 .

([78])  الدر المنثور للسيوطي ، ج 2 ، ص 140 .

([79])  شرح التجريد للقوشجي  ، ص 484 .

([80])  المؤمنون : 5 و 6 .

([81])  الدر المنثور ، ج 2 ، ص 140 و 141 ، ذيل آية المتعة .

([82])  انظر : وسائل الشيعة ، ج 14 ، ص 436 ، كتاب النكاح ، الباب الأول من أبواب المتعة .

([83])  الرعد : 15 .

([84])  صحيح البخاري ج 1 ، ص 91 كتاب الصلاة .

([85])  من لا يحضره الفقيه ، ج 1 ، ص 272 ، ح 843 . بحار الأنوار ، ج 85 ، ص 147 نقلاً عن علل الشرائع .

([86])  صحيح البخاري ج 1 ، ص 91 كتاب الصلاة . سنن البيهقي ، ج 1 ، ص 212 باب التيمم بالصعيد الطيب .

([87])  كنز العمال ، ج 7 ، ص 465 ، ح 19809 . مسند احمد بن حنبل ، ج 6 ، ص 323 .

([88])  أحكام القرآن للجصاص ، ج 3 ، ص 209 (طبع بيروت) ، باب السجود على الوجه .

([89])  الخُمْرَةُ: حصيرة أَو سَجَّادَةٌ صغيرة تنسج من سَعَفِ النخل و تُرَمَّلُ بالخيوط، و قيل: حصيرة أَصغر من المُصَلَّى، و قيل: الخُمْرَة الحصير الصغير الذي يسجد عليه. و في الحديث: «أَن النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان يسجد على الخُمْرَةِ» ; وهو حصير صغير قدر ما يسجد عليه ينسج من السَّعَفِ (لسان العرب : 4 / 386 / خمر) .

([90])  صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 101 ، باب الصلاة على الخمرة . سنن ابن ماجة ، ج 1 ، ص 328 ، ح 1028 ، باب الصلاة على الخمرة . مسند احمد بن حنبل، ج 1 ، ص 269 ، و ج 3 ، ص  52 .

([91])  صحيح مسلم ، ج 2 ، ص 62 . مسند احمد بن حنبل ، ج 3 ، ص 52 .

([92])  سنن أبي داود ، ج 1 ، ص 100 . المستدرك على الصحيحين ، ج 1 ، ص 195 . السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ، ص 439 .

([93])  السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ، ص 105 .

([94])  الطبقات الكبرى ، ج 6 ، ص 79 .

([95])  ولمزيد الاطلاع على الشواهد التاريخية الاُخرى راجع كتاب «سيرتنا» تأليف العلاّمة الأميني (رحمه الله).

([96])  السنن الكبرى للبيهقي ، ج 2 ، ص 105 .

([97])  أخبار مكة للازرقي ، ج 3 ، ص 151 .

([98])  السنن الكبرى للبيهقي ، ج 2 ، ص 105 .

([99])  السنن الكبرى للبيهقي ، ج 2 ، ص 105 .

([100])  الكافي ، ج 3 ، ص 331 ، ح 8 . وسائل الشيعة ، ج 3 ، ص 593 ، ح 7 ، كتاب الصلاة ، أبواب ما يسجد عليه .

([101])  من لا يحضره الفقيه ، ج 1 ، ص 272 ، ح 843 . بحار الأنوار ، ج 85 ، ص 147 نقلاً عن علل الشرائع  . وسائل الشيعة ، ج 3 ، ص 591 ، ح 1 ، كتاب الصلاة ، أبواب ما يسجد عليه .

([102])  انظر الفقه على المذاهب الأربعة ، ج 1 ، ص 161 (طبع مصر) ، كتاب الصلاة ، بحث السجود .

([103])  يوسف : 93 .

([104])  يوسف : 96 .

([105])  صحيح البخاري ، ج 2 ، ص 162 .

([106])  صحيح البخاري ، ج 3 ، ص 180 .

([107])  صحيح مسلم ، ج 1 ، ص 164 و ج 6 ، ص 176 . الإصابة ، ج 1 ، ص 7 ، خطبة الكتاب .

([108])  سنن الترمذي ، ج 3 ، ص 204 ، ح 1954 .

([109])  تبرك الصحابة ، الفصل الأول ، ص 29 . شرح مسلم للنووي ، ج 31 ، ص 194 .

([110])  صحيح مسلم ، ج 7 ، ص 79 .

عنوان الکتاب