الشاعر أبو الأسود الدؤلي ( رحمه الله )
( 16 قبل الهجرة ـ 69 هـ )

اسمه ولقبه :

هو ظالم بن عمرو بن سفيان بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، حيث ينتهي نسبه إلى مُضَر بن نزار .

والدؤلي أو الدائل هو أحد أجداده .

كنيته :

أبو الأسود ، وقد طغت كنيته على اسمه فاشتهر بها ، علماً بأنه لم يكن ذا بشرة سوداء على الأغلب ، وليس له ولد اسمه أسود .

وقد رضي أبو الأسود لنفسه هذه الكنية ، لأن اسمه ثـقيل ( ظالم ) على السمع ، مع أنه يتنافى مع مكانته الاجتماعية وكونه قاضياً يتصف بالعدل ، فأبعد اسمه عن نفسه حتى لا يؤثر على المظلوم .

ولادته ونشأته :

ولد أبو الأسود سنة ( 16 ) قبل الهجرة ، وقد وُلد على الأكثر في اليمن .

وكان الإمام علي ( عليه السلام ) في اليمن على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فصحبه وآزره بشعره منذ نعومة أظفاره .

إسلامه :

من الثابت أنه أسلم في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلا أنه اختلف في أنه متى دخل الإسلام .

وأغلب رجال التأريخ اعتبروه من تابعي الصحابة ، فهو لم يرى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، والظاهر أنه أسلم في أواخر حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو أنه لماذا لم يتشـرَّف برؤية خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ( صلى الله عليه وآله ) ؟

والجواب : قد يكون السبب في ذلك هو البعد المكاني ، فإنه قد وُلد باليمن ، أو خارج مكة حيث كانت تقطن كنانة .

ثم دخل المدينة في زمن عمر بن الخطاب في الوقت الذي كان فيه المرض والناس يموتون موتاً ذريعاً .

وكان أبو الأسود الدؤلي عَلَوِيَّ المذهب ، معدوداً في التابعين والفقهاء ، والمحد ثين والشعراء ، والأشراف والفرسان ، والأمراء والدُّهاة ، والنُّحاة والحاضري الجواب .

وقال الحافظ السيوطي في الطبقات في ترجمته :

( كان أبو الأسود الدؤلي من سادات التابعين ، ومن أكمل الرجال رأياً ، وأشدِّهم عقلاً ، شيعياً شاعراً ، سريع الجواب ثـقة في حديثه ، وصحب علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وشهد معه صفين ) .

سيرته في عهد الإمام علي ( عليه السلام ) :

رُحِّل أو هاجر أبو الأسود إلى البصرة في عهد عمر بن الخطاب ، ولم نسمع له ذكر أو دور هناك لا في زمن عمر ولا في عهد عثمان .

وحينما بايع الناس الإمام علي ( عليه السلام ) بالخلافة نشطت براعم الدؤلي بالبصرة ، وتَقَلَّد أسمى مراتب الدولة ، فأصبح قاضياً ، ثم مدير دائرة الصدقات والجند ، ثم والياً على البصرة بعد ابن عباس .

وقد كان له دور كبير ورئيس في حرب الجمل ، إذ قام وسيطاً بين الإمام علي ( عليه السلام ) وعائشة وطلحة والزبير .

وبعد حرب الجمل اشترك أبو الأسود الدؤلي في حرب صفين ، فقد صاحب الإمام علي ( عليه السلام ) ، ولم يرضَ بأبي موسى الأشعري في التحكيم .

وبعد الانكسار المعنوي في صِفـِّين كان أبو الأسود الدؤلي قائداً للجيش الذي حارب الخوارج .

ثم بعد ذلك رجع إلى البصرة وتَلَقَّى هناك خبر استشهاد الإمام علي ( عليه السلام ) ، فصعد المنبر وخطب الناس ونعى إليهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وبكاه ، ثم دعاهم إلى بيعة ابنه الحسن ( عليه السلام ) بقوله :

( وقد أوصى بعده إلى ابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وابنه وسليله وشبيهه في خلقه وهديه ، وإني لأرجو أن يُجْبرَ الله عزَّ وجلَّ به ما وهن ، ويُسدَّ به ما انثلم ، ويجمع به الشمل ، ويطفيء به نيران الفتنةَ ، فبايعوه تُرشَدوا ) .

فعندها بايعت الشيعة كلها .

من نوادره :

1 - أكل أعرابي مع أبي الأسود الدؤلي فرأى له لقماً منكرة وهاله ما يصنع ، فقال له :

ما اسمك ؟

قال : لقمان .

قال أبو الأسود : صدق أهلك أنك لقمان .

2 - اشترى أبو الأسود حصاناً بتسعة دنانير ، واجتاز به على رجل أعور ، فقال : بكم اشتريته ؟

قال : قَيِّمْهُ .

فقال : قَيَّمْتُهُ أربعة دنانير ونصف .

فقال ابو الأسود : معذور أنت ، لأنك نظرت بعين واحدة فقـيَّمتَهُ نصف قيمته .

3 - قال أبو الأسود الدؤلي لبني قشير : ما في العرب أحبُّ إلى طول بقاء منكم .

قالوا : ولم ذاك ؟

قال : لأنكم إذا ركبتم أمراً علمت أنه نحيٌّ فَأَجتَنِبُهُ ، وإذا اجتَنَبْتُم أمراً عَلمتُ أنَّه رُشدٌ ، فَأتـَّـبِعُهُ .

إثاره العلمية :

أبو الأسود مفخرة من مفاخر الفصاحة والبلاغة ، فهو أول من وضع النحو العربي .

وكان السبب في ظهور علم النحو ظهور اللحن في الكلام وفي قراءة القرآن الكريم حين ازداد الاختلاط والتشابك بين المسلمين العرب وغيرهم من المسلمين الأعاجم .

وخاصة في البصرة حيث أنها مركز تجاري حضاري ، كثر فيه الاختلاط وظهر اللحن بأجلى صوره وشيوعه ، حتى وصل إلى بيت أبي الأسود الدؤلي حين لَحَّنَتْ ابنته أمامه .

كما ازداد اللحن في قراءة القرآن الكريم ، وسمعت آيات عديدة لحنت فيها القراءة بحيث تغيَّرت معانيها ، وحفاظاً على القرآن الكريم من التحريف والخطأ والانحراف ، وصيانة لِلَّغة العربية وضع أبو الأسود الدؤلي أُسُـسَ علم النحو .

وهذه الأسس هي التي أخذها عـن الإمام علي ( عليه السلام ) إذ قال له :

( الكلام كله ثلاثة أضرب : اسم ، وفعل ، وحرف ، فالإسم : ما أنبأ عن المُسَمَّى ، والفعل : ما أُنبىءَ به ، والحرف : ما جاء لمعنىً .

واعلم يا أبا الأسود ، أن الأسماء ثلاثة : ظاهر ، ومضمر ، واسم لا ظاهر ولا مضمر وإنما يتـفاضل الناس فيما لا ظاهر ولا مضمر ، وأراد بذلك الإسم العلم المبهم ) .

قال أبو الأسود : فكان ما وقع إليَّ ( إنَّ وأخواتها ) ماخلا ( لكن ) ، فلما عرضتها على علي ( عليه السلام ) ، قال لي : أين ( لكن ) ؟

فقلت : ما حسبتها منها ، فقال ( عليه السلام ) : هي منها ، فألحقها بها ، ثم قال : ما أحسن هذا النحو نحوه .

وفي رواية أنه ( عليه السلام ) ألقى إليه صحيفة وقال له : أُنْحُ نحو هذا ، فلهذا سُمِّيَ النحو نحواً .

والعمل الآخر الذي بقى خالداً هو تنقيط وتشكيل القرآن الكريم ، فهو أوَّل من نَقَّطَ وشَكَّل القرآن ، وهناك مصحف مشكل بخط الدؤلي في خزانة الكتب الرضوية في مشهد / إيران .

وفاته :

توفى أبو الأسود الدؤلي ( رحمه الله ) في البصرة سنة ( 69 هـ ) – عام الطاعون الذي اجتاحها سنة ( 69 هـ ) – بعد عمر ناهز ( 85 عاماً ) قضاها في الدفاع عن آل البيت
( عليهم السلام ) .

فلم يدع ( رحمه الله ) صغيرة ولا كبيرة إلا وقد صاغها شعراً وقالها بكل قوَّة وصمود ، ولم يتزحزح في كل المواطن والظروف عن خط آل البيت ( عليهم السلام ) والدفاع عنهم .

وكان ( رحمه الله ) يفديهم بمهجته ، ولا سِيَّما أيام المِحَن والمضايقات عليهم منذ نعومة أظفاره ، وإلى أن وافاه ( رحمه الله ) الأجل المحتوم ، فهنيئاً لك الولاء يا أبا الولاء .